محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تجحدونها في الدنيا ، وتكذبون بها . القول في تأويل قوله تعالى : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ اليوم نطبع على أفواه المشركين ، وذلك يوم القيامة وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ بما عملوا في الدنيا من معاصي الله وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ قيل : إن الذي ينطق من أرجلهم : أفخاذهم من الرجل اليسرى بِما كانُوا يَكْسِبُونَ في الدنيا من الآثام . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا يونس بن عبيد ، عن حميد بن هلال ، قال : قال أبو بردة : قال أبو موسى : يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة ، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه ، فيعترف فيقول : نعم أي رب عملت عملت عملت ، قال : فيغفر الله له ذنوبه ، ويستره منها ، فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئا ، وتبدو حسناته ، فود أن الناس كلهم يرونها ؛ ويدعى الكافر والمنافق للحساب ، فيعرض عليه ربه عمله فيجحده ، ويقول : أي رب ، وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل ، فيقول له الملك : أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا ؟ فيقول : لا وعزتك أي رب ، ما عملته ، فإذا فعل ذلك ختم على فيه . قال الأشعري : فإني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى ، ثم تلا : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ حدثنا أبو كريب ، قال : ثنى يحيى ، عن أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن الشعبي ، قال : يقال للرجل يوم القيامة : عملت كذا وكذا ، فيقول : ما عملت ، فيختم على فيه ، وتنطق جوارحه ، فيقول لجوارحه : أبعدكن الله ، ما خاصمت إلا فيكن حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ الآية ، قال : قد كانت خصومات وكلام ، فكان هذا آخره ، نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ حدثني محمد بن عوف الطائي ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن ابن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن عقبة بن عامر ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أول شيء يتكلم من الإنسان ، يوم يختم الله على الأفواه ، فخذه من رجله اليسرى " القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فقال بعضهم : معنىذلك : ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى ، وأضللناهم عن قصد المحجة . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ يقول : أضللتهم وأعميتهم عن الهدى وقال آخرون : معنى ذلك : ولو نشاء لتركناهم عميا . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ قال : لو يشاء لطمس على أعينهم فتركهم عميا يترددون حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ يقول : لو شئنا لتركناهم عميا يترددون وهذا القول الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبه بتأويل الكلام ، لأن الله إنما تهدد به قوما كفارا ، فلا وجه لأن يقال : وهم كفار ، لو نشاء لأضللناهم وقد أضلهم ، ولكنه قال : لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم ، فطمسنا على أعينهم فصيرناهم عميا لا يبصرون طريقا ، ولا يهتدون له ؛ والطمس على العين : هو أن لا يكون بين